تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٥ - الاولى في حكمة وجوب الطاعات و سر التكليف بها
فلهذا كانت فصول الصلوة أغضّ الأشياء من الغضب المؤدى كما انّ الصوم من أغضّ الأشياء لدفع آفة الشهوة. انتهى كلامه.
مكاشفات عقلية متعلقة بأسرار الصلوة
الاولى في حكمة وجوب الطاعات و سرّ التكليف بها:
اعلم إنّه لما اقتضت الأسماء الحسنى الإلهيّة ظهور آثارها جميعا في المظاهر الكونيّة لئلا يتعطّل طرف من الالوهيّة، ظهرت في نوع الإنسان الذي هو أشرف الأكوان و قد أوجده اللّه للعبادة كما قال: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [٥١/ ٥٦] و طبائع أكثر الناس مجبولة على العدول عن منهج الحقّ و الانحراف عن سنن العدل كما أشار اليه بقوله: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [٣٤/ ١٣].
و قوله: وَ ما أَكْثَرُ النَّاسِ وَ لَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [١٢/ ١٠٣] و قوله وَ أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ [٢٣/ ٧٠].
و قد تقرّر بنيان هذا البيان في كثير
من الأحاديث القدسيّة و النبويّة، مثل قوله [١] تعالى: كلّكم ضالّ الّا من هديته فاسألوني الهدى أهدكم، و كلّكم فقير إلّا من أغنيته فاسألوني أرزقكم، و كلّكم مذنب إلا من غفرته فمن علم منكم منّى انّي ذو قدرة على المغفرة فاستغفر غفرت له و لا ابالي.
فلو إنّ الناس أهملوا و طبائعهم و تركوا سدى و تخلّى بينهم و بين طبائعهم لتوغّلوا في الدنيا و انهمكوا في الّلذات الجسمانيّة و طلبوا دواعي القوى الظلمانيّة لضراوتهم و اعتيادهم بها من الطفوليّة و الصبى، حتّى زالت استعداداتهم و انسلخوا عن رتبة الإنسانيّة فمسخوا و مثّلوا بالبهائم و السباع كما قال تعالى وَ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنازِيرَ
[١] جاء في الترمذي، ٤/ ٦٥٦. ابن ماجة: ٢/ ١٤٢. المسند: ٥/ ١٥٤ مع فروق يسيرة.